الشيخ السبحاني
231
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
واستدلّ اليهود على امتناع النسخ في التكوين « 1 » بأنّ قلم التقدير والقضاء إذا جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلق المشيئة بخلافه . وبعبارة أخرى : ذهبوا إلى أنّ اللّه قد فرغ من أمر النظام ، وجف القلم بما كان ، فلا يمكن للّه سبحانه محو ما أثبت وتغيير ما كتبه أوّلا . ويردّ عليهم سبحانه في بيان إمكان هذا النسخ في مجال التكوين بالآية التالية : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 2 » . وعلى ذلك فإنّ اللّه سبحانه باسط اليدين في مجال التكوين والتشريع ، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء لا يمنعه من ذلك مانع . وما تتخيله اليهود ، وما انتحلوه من أنّ اللّه قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين ، مسلوب القدرة ، فتردّه هذه الآية وما سبقها من الآيات والأحاديث . وهذا هو القرآن الكريم يصرّح بكونه تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 3 » . ويقول أيضا : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ « 4 » . والآية مطلقة غير مقيدة بزمان دون زمان . ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كل ما يرجع إلى الخلق والإيجاد ويبين ذلك بصيغ فعلية استقبالية دالة على الاستمرار ، وناصّة على أنّ الفيض والخلق والإيجاد والتدبير بعد مستمر . يقول سبحانه : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ « 5 » .
--> ( 1 ) الذي يراد منه في مورد الإنسان أنّه مخيّر في حياته ، غير مسيّر ، وأنّ له تغيير مصيره بتغييره مسيره على ما تقدّم . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 39 . ( 3 ) سورة الرّحمن : الآية 29 . ( 4 ) سورة الأعراف : الآية 54 . ( 5 ) سورة النور : الآية 43 .